رئيس الوزراء: مليار دولار و500 ألف فرصة عمل للشركات الناشئة
في لحظة فارقة من مسار التحول الاقتصادي، أطلقت الحكومة المصرية «ميثاق الشركات الناشئة» بوصفه خطوة عملية لترجمة وعود دعم ريادة الأعمال إلى التزامات واضحة بأرقام محددة وأهداف قابلة للقياس. لم يكن الإعلان مجرد فعالية احتفالية، بل رسالة سياسية واقتصادية تؤكد أن الدولة تراهن على جيل جديد من المستثمرين والمبتكرين لقيادة النمو خلال السنوات المقبلة.
رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وضع إطارًا رقميًا طموحًا للميثاق، مستهدفًا ضخ تمويلات تصل إلى مليار دولار خلال خمس سنوات، ودعم نحو 5 آلاف شركة ناشئة، بما يسهم في توفير 500 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. هذه الأرقام تعكس تحولًا في التفكير الرسمي من دعم تقليدي للمشروعات إلى بناء منظومة متكاملة لريادة الأعمال.
إصلاح اقتصادي يمهد الطريق
يأتي الميثاق في سياق إصلاحات اقتصادية وهيكلية واسعة، أشار إليها رئيس الوزراء، مؤكدًا نجاح الدولة في القضاء على السوق الموازية للنقد الأجنبي، وخفض معدلات التضخم، وتعزيز مرونة سعر الصرف. هذه المؤشرات ليست تفاصيل جانبية، بل تمثل الأرضية الصلبة التي تحتاجها أي بيئة استثمارية جادة، خصوصًا في قطاع سريع النمو والمخاطر مثل الشركات الناشئة.
فالاستثمار في الابتكار لا ينفصل عن استقرار الاقتصاد الكلي، ولا يمكن الحديث عن جذب صناديق استثمار دولية دون مناخ نقدي ومالي واضح المعالم.
تعريف موحد ومنظومة تمويل جديدة
أحد أبرز ملامح الميثاق يتمثل في وضع تعريف موحد للشركات الناشئة لأول مرة في مصر، وهي خطوة تنظيمية طال انتظارها لضمان وصول الحوافز إلى مستحقيها الحقيقيين، ومنع التداخل بين المشروعات الصغيرة التقليدية والشركات القائمة على الابتكار والنمو السريع.
كما تضمن الميثاق إطلاق مبادرة تمويلية موحدة تهدف إلى تعظيم أثر الموارد الحكومية بمعدل يصل إلى أربعة أضعاف، عبر أدوات ضمان واستثمارات مشتركة، بما يخلق شراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص بدلًا من الاكتفاء بالدعم المباشر.
إلى جانب ذلك، يشمل الميثاق إصدار دليل حكومي موحد للإجراءات، وتأسيس مرصد لمتابعة تنفيذ السياسات وتحديث التشريعات، في محاولة لسد الفجوة المزمنة بين إصدار القرارات وتطبيقها على أرض الواقع.
التكنولوجيا العميقة في قلب الاستراتيجية
اللافت أن الميثاق لم يكتفِ بدعم عام لريادة الأعمال، بل ركز على قطاعات بعينها، أبرزها التكنولوجيا العميقة (Deep Tech)، والتكنولوجيا الزراعية والسياحية. هذا التوجه يعكس رغبة في نقل الشركات الناشئة المصرية من نماذج التطبيقات الخدمية السريعة إلى مجالات أكثر تعقيدًا وقيمة مضافة، ترتبط بالإنتاج والتصدير وتعزيز القدرة التنافسية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة عدد الشركات، بل في نوعية ما تقدمه هذه الشركات، ومدى قدرتها على خلق منتجات قابلة للتوسع إقليميًا ودوليًا.
بين الطموح والتنفيذ
يبقى التحدي الأهم في ترجمة هذا الميثاق إلى نتائج ملموسة. فالتجارب الدولية تؤكد أن نجاح منظومات الشركات الناشئة يعتمد على سرعة الإجراءات، ووضوح القواعد، واستقرار السياسات الضريبية والتمويلية، إلى جانب توافر الكفاءات البشرية.
الميثاق يمثل خطوة متقدمة على مستوى التخطيط، لكن قيمته الحقيقية ستُقاس بعدد الشركات التي تنجح في جذب استثمارات، وتوسيع أعمالها، والمنافسة خارج الحدود.
في النهاية، يبدو أن الدولة اختارت أن تجعل من ريادة الأعمال أحد أعمدة اقتصادها المستقبلي. وإذا نجح تنفيذ هذا الميثاق بالوتيرة المعلنة، فقد لا يكون المليار دولار مجرد رقم مستهدف، بل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة عنوانها اقتصاد الفرص، لا اقتصاد الأزمات.


.jpg)
.jpg)
-1.jpg)
.jpg)
.webp)